الشيخ السبحاني
14
نظام المضاربة في الشريعة الإسلامية الغراء
يلاحظ عليه : أنّ الإقدام مع المعرفة بجواز العقد ، شيء ، والإقدام على التبرّع شيء آخر ، فالأوّل لا يلازم الثاني ، وعلى كل تقدير يجب جبر عمل الساعي عند الفسخ بأجرة المثل . ويمكن أن يكون وجه الاتفاق على جوازه هو أنّ المضاربة والوكالة يرتضعان من ثدي واحد ، وكلاهما من العقود الإذنية القائمة بالإذن . فإذا ارتفع الإذن ، ارتفع الحكم ، وهذا هو معنى جواز العقد ومثلهما العارية والوديعة وما أشبههما ، فالعقود القائمة بالإذن تستتبع جواز التصرّف إلّا إذا ارتفع الإذن بالفسخ . ولكن عدّ المضاربة من العقود الإذنية ، لا يخلو عن إشكال ، لو لم نقل إنّه من العقود اللازمة وأنّه من مصاديق الشركة ، غاية الأمر ، الشركة بين العمل والمال ، وإنّ العمل في المقام هو الاتجار وفي المزارعة والمساقاة هو الزرع والسقي . فالقول باللزوم هو الأقوى والإجماع ليس على نحو يكشف عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا ، ولعل مستندهم هو تصوّر كونها من العقود الإذنية . نضيف إلى ما ذكرنا ما يلي : 1 - ما الفرق بينها وبين المزارعة والمساقاة حيث صرّحوا باللزوم فيهما ؟ وقالوا : المزارعة من العقود اللازمة ولا تبطل إلّا بالتقايل ، أو الفسخ بخيار الشرط ، أو بخيار الاشتراط ، أي تخلّف بعض الشروط المشترطة على أحدهما . وقالوا في المساقاة : إنّها لازمة لا تبطل إلّا بالتقايل ، أو الفسخ بخيار الشرط ، أو تخلّف بعض الشروط ، أو لعروض مانع عام موجب للبطلان . نعم لو كانت المضاربة خالية عن الأجل وقلنا بصحّة مثلها ، لا محيص عن كونها جائزة ، لأنّ معنى لزومها ، في هذه الصورة أن يكون مال الغير في يد العامل دائما ولا يجوز له استرجاعه ، كما أنّ معناه في جانب العامل أن يكون هو ما دام العمر في خدمة رب المال ولا يجوز له التحرّر .